حين تتحول القيادات الى مظلة للفساد الاكاديمي
رسالة الى سمو رئيس مجلس الوزراء حول معركة الاصلاح في التعليم العالي، وكيف ينقلب بعض القادة من حراس للاصلاح الى حماة للفساد.
من السهل ان ترفع بعض القيادات شعار “الاصلاح”، وان تتحدث بلغة الجودة والحوكمة والنزاهة، لكن الاصعب هو ان تتحول هذه الشعارات الى قرارات حقيقية تواجه الفساد لا ان تتعايش معه. ففي مؤسسات التعليم العالي، اخطر اشكال الفساد ليس ذلك الذي يمارس في الظلام، بل ذلك الذي يرتدي عباءة الاصلاح ويتخفى خلف المصطلحات الادارية الرنانة واللجان الشكلية والخطابات المنمقة.
منذ عام 2024، ظهرت بوادر امل حقيقية في احدى مؤسسات التعليم العالي عبر تقرير امين سر الجمعية الكويتية لجودة التعليم الي مكتب رئيس مجلس الوزراء وما نتج عنه من توصيات لجنة التحقيق الوزارية كشفت حجم العبث الذي طال ملف الترقيات العلمية، وما ارتبط به من تجاوزات مست بجوهر البحث العلمي وسمعة المؤسسة الاكاديمية. يومها، كان تحديث لائحة الترقيات خطوة مطلوبة ومتأخرة، خصوصا مع انشاء لجنة فنية مؤسسية لاعتماد المجلات العلمية، بهدف وقف نزيف الترقيات المبنية على نشر هش او مجلات لا تملك الحد الادنى من المعايير الاكاديمية الرصينة.
ومنذ اللحظة الاولى لانشاء هذه اللجنة، انهالت الانتقادات عليها؛ شكك في تشكيلها، وطعن في قدراتها، ووصل الامر الى استهداف اعضائها شخصيا. لكن بعيدا عن الضجيج، كانت تلك اللجنة تمثل فعليا اول محاولة جادة لبناء “فلتر اكاديمي” يحمي المؤسسة من التلوث العلمي الذي تراكم لسنوات تحت غطاء المجاملات والعلاقات والمصالح.
الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها ان معركة الاصلاح في التعليم العالي ليست معركة لوائح فقط، بل معركة ارادة. فكم من لائحة ممتازة افرغت من مضمونها حين اصطدمت بقيادات لا تؤمن بالاصلاح الا اذا خدم نفوذها ومراكز قوتها.
اليوم، وبعد مرور عامين، ما زالت الجمعية الكويتية لجودة التعليم ترصد مخالفات جسيمة وتجاوزات خطيرة في ملف الترقيات داخل هذه المؤسسة. والاخطر من ذلك ليس وجود محاولات لتمرير ترقيات مشبوهة او مجلات متدنية المستوى، بل وجود دعم اداري وقيادي لهذه المحاولات، وكأن بعض القيادات قررت ان تتحول من حارس للاصلاح الى مظلة تحمي الفساد الاكاديمي.
ما يجري اليوم يكشف بوضوح ان بعض القيادات لم تستوعب بعد ان الاصلاح الحقيقي لا يمكن ان يتعايش مع عقلية الالتفاف والتحايل. فبدلا من دعم لجنة الترقيات ولجنة اعتماد المجلات العلمية، تمارس الضغوط عليهما عبر قنوات جانبية ولجان تظلمات تستخدم احيانا كأداة للالتفاف على القرارات الفنية ومحاولة تجاوز اللجنة المختصة باعتماد المجلات العلمية للحصول على موافقات تمرر ترقيات لا تصمد امام اي تقييم اكاديمي محترم.
الاخطر ان المؤسسة ما زالت تنظر في ترقيات قدمت وفق اللائحة القديمة التي انتهت صلاحيتها منذ منتصف عام 2024، وكأن الزمن الاداري متوقف عند لحظة معينة تخدم مصالح محددة. هذا ليس مجرد خلل اجرائي؛ بل مؤشر خطير على غياب الجدية في تنفيذ مشروع الاصلاح الاكاديمي. فالاصلاح لا يكون باصدار اللوائح ثم تعطيلها عمليا حين تمس اصحاب النفوذ.
كما ان ما يتداول بشأن تمرير المخاطبات والتوجيهات عبر موظفين ليست لهم صفة قانونية او اختصاص في مخاطبة اللجان الفنية يثير تساؤلات كبيرة حول طبيعة الادارة داخل المؤسسة: هل نحن امام ادارة جامعية حديثة تؤمن بالمؤسسية؟ ام امام شبكة علاقات تحاول اعادة انتاج المنظومة القديمة بوجوه جديدة وشعارات براقة؟
المؤلم ان بعض القيادات باتت تتعامل مع لجان الاصلاح وكأنها عبء يجب احتواؤه او ترهيبه، لا شريكا يجب دعمه. وفي كل مرة تقترب فيها لجنة فنية من وضع يدها على مكمن الخلل، تبدأ محاولات الالتفاف والضغط والتشكيك، وكأن المطلوب من هذه اللجان ان تكون مجرد ديكور مؤسسي يمنح صورة اصلاحية امام الرأي العام، لا ان تمارس دورها الحقيقي.
سمو رئيس مجلس الوزراء، القضية اليوم لم تعد قضية ترقيات فردية او مجلات علمية فقط، بل قضية ثقة بمشروع الاصلاح بأكمله. فحين يشعر الاكاديمي النزيه ان الفاسد ما زال يجد من يحميه، وان اللجان الفنية تحارب بدل ان تدعم، فان الرسالة التي تصل الى الوسط الاكاديمي خطيرة ومدمرة.
الاصلاح لا يقاس بعدد التصريحات ولا بعدد اللجان، بل بقدرة الدولة على مواجهة مراكز النفوذ داخل مؤسساتها. واذا كانت بعض القيادات ما زالت ترعى الفساد الاكاديمي او تتسامح معه او تحاول تلميعه تحت غطاء “الاجراءات” و”التظلمات”، فان استمرارها في مواقعها يعني ببساطة ان مشروع الاصلاح يتآكل من الداخل.
زبدة القول سمو الرئيس: الى متى يستمر التربيت على اكتاف قيادات ترعى الفساد بدلا من مواجهته؟ والى متى تترك اللجان الفنية تقاتل وحدها بينما تحاصر بالضغوط والترهيب الاداري؟ ان لم يكن لدى الوزير ارادة حقيقية لضرب الفساد الاكاديمي بيد من حديد، فالاجدر افساح المجال لمن يملك الشجاعة لحماية ما تبقى من هيبة التعليم العالي وسمعته.